كتب: المحرر السياسي
لا يحتاج الأمر بالضرورة إلى اجتماع سري توزعت فيه الأدوار، ولا إلى اتفاق مكتوب بين قادة الإطار التنسيقي الشيعي والفصائل الولائية، لكن مراقبة المواقف التي تتوالى منذ أن وضع علي الزيدي ملف حصر السلاح في مقدمة أولويات حكومته تعطي انطباعاً يصعب تجاهله، فكلما اقترب رئيس الوزراء خطوة من الفصائل، خرج طرف ليرفع السقف في وجهه، ثم يظهر طرف آخر لخفض التصعيد، وبعده يأتي ثالث ليقترح الحوار أو الوساطة أو تشكيل لجنة، قبل أن تبدأ الدورة نفسها من جديد..
تتغير الأسماء والعبارات، لكن النتيجة حتى الآن واحدة: الزيدي يتحرك، والاجتماعات تتكاثر، والوسطاء يتدخلون، أما السلاح فيبقى في مكانه!
وخلال الأيام القليلة الماضية، شاهد العراقيون نموذجاً مكتمل لهذه الدائرة، فقد خرجت مواقف من داخل منظمة (بدر) تحذر رئيس الوزراء من استخدام القوة وتقول بوضوح إنها لن تسمح له "ولا لغيره" بالذهاب بعيداً في التعامل مع (المقاومة)، ثم جاءت كتائب حزب الله بلهجة أشد، معلنة أن "صبرها بدأ ينفد"، وملوحة بمبدأ "العين بالعين والبادي أظلم"، قبل أن تضع أمام الحكومة شروطاً تبدأ بخروج الأميركيين ولا تنتهي إلا بحل البيشمركة.. وبعد أن وصل الخطاب إلى هذا المستوى، دخل هادي العامري على الخط داعياً إلى الاعتدال والتهدئة وتجنب الاحتقان واللغة المتشنجة، ومعبراً في الوقت نفسه عن ثقته بالزيدي ورجالات المقاومة، وبعد ذلك ظهر نوري المالكي أمام القائم بأعمال السفارة الأميركية جوشوا هاريس، ليضيف بعداً آخر إلى المسألة ويعلن تشكيل لجنة من الإطار التنسيقي ستعمل بالتنسيق مع الحكومة على إيجاد الآليات المناسبة لحصر السلاح.
المشهد، بهذا التسلسل، يشبه الدوران في دائرة، فطرف يلوح بالعواقب، وطرف يطلب الهدوء، وثالث يعرض التفاوض، بينما يجد رئيس الوزراء نفسه في كل مرة أمام سبب جديد يمنعه من الانتقال من إعلان مبدأ حصر السلاح.. إلى تنفيذه.
واللافت أن كل طرف يستطيع، في الوقت نفسه، أن ينفي وجود أي توزيع للأدوار، فالكتائب تتحدث باسمها، والعامري يقدم نفسه وسيطاً حريصاً على منع الصدام، والمالكي يتحدث عن لجنة سياسية تبحث عن حلول.. والنتيجة حتى الآن، هي شراء الوقت.
وقد بات واضحاً ان القوى الرافضة لحصر السلاح لا تريد إسقاط مشروع الزيدي علناً، لأن إسقاطه قد يكون مكلفاً سياسياً أمام العراقيين وأمام الخارج، يكفي أن يبقى المشروع قائماً على الورق، وأن يستمر الجميع في إعلان تأييدهم لـ(حصر السلاح بيد الدولة)، بينما يدور الخلاف إلى ما لا نهاية حول الطريقة والموعد والظروف.. وهذا هو الجزء الأكثر ذكاءً في المشهد.
المشهد، بهذا التسلسل، يشبه إلى حد بعيد الدوران في دائرة، فطرف يهدد ويلوح بالعواقب، وطرف يطلب الهدوء، وثالث يعرض التفاوض، ثم تجتمع اللجنة، ثم يعود فصيل بشروط جديدة.. وبعد دورة كاملة، يكون الجميع قد تحركوا كثيراً، من دون أن يتحرك السلاح خطوة واحدة!
وقد يكون هذا كله نتيجة خوف حقيقي من المواجهة، او خطة للإرهاق السياسي، لكن ان بقي علي الزيدي يدور معهم في الدائرة، سيتعب قبلهم، أما إذا وضع للدائرة نقطة نهاية، بموعد وآليات وقرار لا يعود في كل مرة إلى طاولة البحث، فسيتضح سريعاً من يريد فعلاً حصر السلاح، ومن يريد فقط حصر الزيدي داخل غرفة التفاوض.