بغداد - سدن
(نحن حاضرون في الأنشطة والحراك السياسي الوطني، وعلى تحالف وتفاهم مع قوى وطنية عدة، ومن الطبيعي أن يكون عندنا توجهات ورؤى جديدة، لكن لدينا ثوابتنا التاريخية التي لن نتحلل منها).
بهذه الثقة تحدث أمين سر قيادة حزب البعث في لبنان حسن بيان، وهو يعلن عملياً انطلاق مرحلة جديدة للحزب بعد انتخاب قيادة قومية جديدة وتعهدها بإعادة تفعيل الفروع واستعادة الزخم التنظيمي في الأقطار العربية.
غير أن كلمات بيان بدت لكثيرين أقرب إلى إعلان عودة فرقة موسيقية فقدت معظم أعضائها منذ عقود، منها إلى إعلان عودة حزب سياسي كان يوماً يحكم بغداد ودمشق ويقدم نفسه باعتباره قائد المشروع القومي العربي.
فبعد أكثر من سبعة عقود على تأسيسه، قرر حزب البعث أن يبعث نفسه من جديد، وكأن الزمن توقف عند آخر اجتماعاته الكبرى، أو كأن المنطقة لم تتغير، والأنظمة لم تسقط، والأجيال الجديدة ما زالت تنتظر قرارات (القيادة القومية) القادمة من زمن الحرب الباردة.
ففي مشهد أقرب إلى اجتماع جمعية لمحبي التاريخ السياسي منه إلى مؤتمر لقوة صاعدة، عقد الحزب مؤتمره القومي الثالث عشر بعد انقطاع استمر منذ عام 1992، ليعلن انتخاب قيادة جديدة وإطلاق مشروع لإعادة تنشيط التنظيم في الأقطار العربية الـ22.
وإذا كان الحزب يفاخر بأن ممثلين عن مختلف فروعه شاركوا في المؤتمر، فإن السؤال الذي يفرض نفسه: كم من هؤلاء يمثلون قواعد سياسية حقيقية، وكم منهم يمثلون ما تبقى من تنظيمات هرمت مع أصحابها وتحولت إلى نوادٍ للحنين السياسي؟
الأكثر لفتاً أن المؤتمر انتخب السوداني علي الريح السنهوري أميناً عاماً للحزب، في أول سابقة من نوعها منذ تأسيسه عام 1947، بعدما ظل المنصب لعقود يتنقل بين شخصيات من دول الهلال الخصيب، من ميشال عفلق ومنيف الرزاز إلى صدام حسين ثم عزت الدوري.
لكن المشكلة التي تواجه الحزب اليوم لا تبدو مرتبطة بهوية أمينه العام الجديد، بل بالسؤال الأكبر: من بقي ليستمع إليه أصلاً؟
فالحزب الذي يتحدث عن إعادة تفعيل الفروع، ما زالت ذاكرته التنظيمية مثقلة بأسماء قادة وأعضاء لم يعودوا موجودين، فمنهم من قتل، ومنهم من اغتيل، ومنهم من توفي، ومنهم من أمضى سنواته الأخيرة في المنافي البعيدة.. حتى بدا أن الحزب يخوض معركة لاستعادة أعضائه قبل استعادة جمهوره.
وكان أول نشاط سياسي بعد انتخاب القيادة الجديدة، أعاد الحزب إحياء ذكرى تأسيسه في السابع من نيسان عبر بيانات وخطابات أعادت التذكير بالشعار التاريخي: أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة.
غير أن الشعار الذي كان يهز الشارع العربي في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي، يبدو اليوم أقرب إلى قطعة محفوظة في أرشيف سياسي قديم، بينما تتحدث المنطقة عن الذكاء الاصطناعي والطاقة والاستثمارات والتكتلات الاقتصادية الجديدة.
وحتى حديث قيادة الحزب عن "رؤية جديدة أكثر مرونة للوحدة العربية" بدا للكثيرين أشبه بمحاولة تحديث لغة قديمة دون المساس بجوهر مشروع اصطدم مراراً بالواقع العربي نفسه.
ويرى مراقبون أن أكثر ما يميز هذا الحراك المحدود ليس فرص نجاحه، بل حجم الحنين الذي يحمله أصحابه إلى زمن مضى بلا رجعة، فالمشكلة لم تكن يوماً في غياب مؤتمر أو تأخر انتخاب أمين عام، بل في أن الحزب الذي كان يحكم دولاً كاملة لم يعد يمتلك اليوم سوى ذاكرة مثقلة بالشعارات، وقاعدة تنظيمية تلاشت بفعل العمر.
وبين حديث القيادة الجديدة عن "بعث الزخم" و"استعادة الحضور"، يرد الواقع بسؤال بسيط وقاس: هل يمكن لحزب أمضى سنوات طويلة يبحث عن أعضائه بين المنافي والمقابر والسجون أن يقنع جيلاً جديداً بأنه ما زال يمتلك مشروعاً للمستقبل؟
حتى الآن، تبدو الإجابة أقرب إلى حلم يقظة طويل منه إلى مشروع سياسي قابل للحياة.