رئيس إقليم كوردستان يؤكد أن بناء العراق يبدأ بالعقل الحر والمواطنة والمبادرة
ويحذر من الخلط بين وفرة المعلومات وعمق المعرفة في عصر الذكاء الاصطناعي
أربيل - سدن
دعا رئيس إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني، إلى إعداد جيل جديد قادر على تجاوز الانقسامات، وتحويل التنوع القومي والثقافي والفكري في العراق إلى مصدر قوة وجسر للتواصل، مؤكداً أن مستقبل البلاد لا تحدده الثروات الطبيعية بقدر ما تصنعه كفاءة أبنائها، وقدرتهم على التفكير، والإبداع، والمشاركة في بناء الدولة.
وجاءت تصريحات بارزاني خلال مشاركته في حفل تخرج الدفعة الخامسة عشرة من طلبة الجامعة الأميركية في السليمانية، حيث ألقى كلمة تناولت مستقبل الشباب العراقي، ودور التعليم الجامعي في بناء مجتمع منتج، والتحديات التي تفرضها التحولات التكنولوجية المتسارعة، ولا سيما الذكاء الاصطناعي.
وطرح بارزاني تساؤلاً بشأن قدرة العراق وإقليم كوردستان على التطور والمنافسة في عالم يشهد تغيرات متواصلة، معتبراً أن الإجابات التي يقدمها الجيل الجديد عن هذا السؤال، تمثل خريطة أساسية لتطوير البلاد، وأن مسؤولية الجامعات لم تعد تقتصر على منح الشهادات الأكاديمية، وإنما تمتد إلى إعداد شخصيات مستقلة تمتلك القدرة على التفكير النقدي واتخاذ القرارات.
وقال إن العالم بات يتيح الوصول خلال دقائق إلى معلومات كان الحصول عليها يتطلب سنوات في الماضي، لكنه شدد على أن وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة امتلاك المعرفة، وأن القيمة الحقيقية للتعليم، تكمن في القدرة على التمييز بين المعلومات والفكر، وفهم الاختلاف، ومراجعة المواقف وتصحيح الأخطاء.
وأضاف أن من أهم القيم التي ينبغي أن تغرسها الجامعات في طلبتها تكوين (عقل حر ومستقل يسأل وينتقد)، ويتمتع بالشجاعة الكافية لمراجعة نفسه والاعتراف بأخطائه، بدلاً من الاكتفاء بتلقي المعلومات وحفظها.
وفي رسالة مباشرة إلى الخريجين، أكد رئيس إقليم كوردستان أن الشهادة الجامعية تفتح الأبواب أمام أصحابها، لكنها لا ترسم الطريق الذي سيسلكونه، داعياً الشباب إلى الانتقال من انتظار الفرص الحكومية إلى المبادرة بصناعتها.
وقال مخاطباً الخريجين: لا تجعلوا أول أسئلتكم: ماذا ستقدم لكم الحكومة؟ بل اسألوا: أنا ماذا يمكن أن أقدم؟ ما هي المشكلة التي يمكنني أن أجد لها حلولاً، وفي أي مشروع يمكن أن أجد فرص عمل لي وللآخرين؟.
وربط بارزاني هذا التوجه بالمفهوم الحقيقي للمواطنة، مؤكداً أن الوطن لا يتقدم بما يحصل عليه المواطنون منه فحسب، وإنما بما يسهمون في بنائه، وأن الاستثمار في الإنسان والتعليم والقدرات العلمية، يمثل الأساس لأي نهضة اقتصادية واجتماعية مستدامة.
وشدد على أن الثروة الحقيقية للعراق لا تكمن في النفط أو الموارد الموجودة تحت الأرض، بل في تقدم الشباب وتفوقهم وقدرتهم على تحويل المعرفة إلى إنجازات ملموسة.
وفي جانب آخر من كلمته، توقف بارزاني عند تجربة التنوع داخل الجامعة الأميركية في السليمانية، مشيراً إلى أن الطلبة القادمين من مدن وثقافات وخلفيات مختلفة، تمكنوا من الدراسة والعمل والتعارف ضمن بيئة مشتركة، معتبراً أن هذه التجربة تقدم نموذجاً يحتاج إليه العراق في مسيرته نحو التطور والاستقرار.
وقال إن اختلاف الأفكار لا ينبغي أن يقود إلى العزلة أو القطيعة، مضيفاً، ان العراق وإقليم كوردستان يحتاجان إلى جيل يحوّل التنوع إلى قوة وجسر للتواصل وليس للانقطاع.
ودعا الخريجين إلى نقل الجسور الإنسانية والاجتماعية التي بنوها خلال سنوات الدراسة إلى حياتهم العملية، بما يعزز التفاهم والتعاون بين مختلف مكونات المجتمع العراقي.
وفي ختام كلمته، أقر رئيس إقليم كوردستان بأن كثيراً من الشباب ينظرون إلى المستقبل بقلق نتيجة الحروب والمشكلات الاقتصادية والتحديات التي تفرضها التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي، معتبراً أن هذه المخاوف مفهومة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.
لكنه أكد أن التكنولوجيا، مهما بلغت قدرتها على توفير المعلومات وتحليلها، لا تستطيع أن تحل محل الإنسان في اتخاذ القرارات المرتبطة بمستقبل بلاده، مشدداً على أن المعرفة التقنية يجب أن تبقى أداة لخدمة الإنسان والمجتمع، لا بديلاً عن التفكير المستقل والمسؤولية الوطنية.
وتضمنت كلمة بارزاني رسائل تتجاوز المناسبة الأكاديمية، أبرزها الدعوة إلى إعادة النظر في العلاقة بين المواطن والدولة، وتشجيع المبادرة الفردية، وترسيخ ثقافة قبول الاختلاف، وإعطاء التعليم وتنمية القدرات البشرية موقعاً أساسياً في أولويات العراق وإقليم كوردستان.
وبذلك وضع رئيس الإقليم أمام الخريجين تصوراً لمستقبل يقوم على الانتقال من الاعتماد على الموارد الطبيعية والوظائف الحكومية إلى اقتصاد يستند إلى المعرفة والإنتاج، ومن التعامل مع التنوع باعتباره مصدراً للخلاف إلى توظيفه في تعزيز التعاون والتكامل داخل العراق.