بغداد - سدن
بعد سنوات كانت فيها إيران تمول الفصائل المسلحة العراقية وتساعد على بناء نفوذها المالي والعسكري، تتحدث القيادة المركزية الأميركية عن انقلاب لافت في اتجاه الأموال، فطهران، التي تواجه أزمة اقتصادية خانقة، باتت تطالب حلفاءها بإعادة ما أنفقته عليهم، فيما تواجه تلك الفصائل ضغوطاً مالية متزايدة نتيجة العقوبات الأميركية التي طالت قادتها وشبكاتها المصرفية والتجارية.
لكن المفارقة العراقية تكمن في أن الضائقة التي تضرب الموارد المالية للفصائل لا تعني بالضرورة توقف رواتب مقاتليها، إذ تؤكد مصادر عراقية أن المنتسبين المسجلين رسمياً ضمن هيئة الحشد الشعبي ما زالوا يتقاضون رواتبهم من الموازنة الاتحادية، بعيداً عن الأزمة التي تواجه مصادر التمويل الأخرى.
وقال قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، في تصريحات صحافية السبت، إن تسعة أشهر من الحصار البحري والعقوبات المشددة حرمت إيران من نحو 25 مليار دولار من عائدات النفط، إلى جانب تجميد 350 مليون دولار من العملات المشفرة.
وبحسب كوبر، فإن الضغوط المالية بلغت مستوى دفع الجماعات المتحالفة مع طهران، بما فيها فصائل عراقية و(حزب الله) اللبناني وحركة (حماس)، إلى حجب رواتب بعض مقاتليها وتحويل الأموال إلى إيران، لمساعدتها على مواجهة العجز المالي.
وذهب المسؤول العسكري الأميركي أبعد من ذلك، حين تحدث عن مطالبة ميليشيات عراقية بإعادة أموال سبق أن تلقتها من الحرس الثوري، في تحول يؤشر انتقال طهران من موقع الممول إلى موقع الباحث عن التمويل.
وفي بغداد، تقدم مصادر مطلعة صورة أكثر تعقيداً من الرواية الأميركية، فبينما تقر بوجود ضائقة مالية حقيقية لدى الفصائل، بدأت قبل أشهر وتفاقمت بفعل العقوبات التي استهدفت قادتها ومؤسسات ومصارف مرتبطة بها، تؤكد أن رواتب العناصر المدرجين على ملاك هيئة الحشد الشعبي لم تتوقف، ويعود ذلك إلى أن الهيئة تتلقى تمويلها من الموازنة العامة للدولة العراقية، وليس من التحويلات الإيرانية المباشرة.
وبلغت تخصيصات الحشد الشعبي نحو 3.6 مليار دولار في موازنة عام 2025، لتمويل قوة يقدر عدد منتسبيها بنحو 238 ألف عنصر.
وتقول المصادر، إن العلاقات المالية بين إيران والجهات المرتبطة بها داخل العراق لا تقتصر على الدعم العسكري، بل تمتد إلى مصالح تجارية واستثمارية في قطاعات الطاقة والإنشاءات والتجارة، فضلاً عن عقود مرتبطة بمؤسسات الدولة.
وبحسب أحد المصادر، فإن الإيرادات التي تحققها بعض هذه الأنشطة قد تتجاوز الأموال التي تنفقها طهران على دعم الفصائل، وهو ما يثير تساؤلات بشأن طبيعة التدفقات المالية بين الطرفين واتجاهها الفعلي.
ولم يستبعد المصدر استمرار عمل مؤسسات وشبكات مالية غير معلنة مرتبطة بالفصائل، رغم العقوبات والقيود المفروضة على التعاملات المصرفية.
وتبرز في هذا السياق العقوبات الأميركية الأخيرة على المصرف الدولي للتنمية والاستثمار العراقي، الذي اتهمته وزارة الخزانة الأميركية بتسهيل وصول الدولار إلى إيران والتحايل على العقوبات المفروضة عليها.
وقالت واشنطن إن المصرف ارتبط بكيانات وشركات إيرانية، وساهم في تحويل أموال وأرباح إلى طهران، مشيرة إلى صلات مزعومة بمؤسسات مالية إيرانية، بينها مصرف ملي.
وتكشف التطورات عن مسألة تتجاوز قدرة الفصائل على دفع رواتب مقاتليها، فطبيعة العلاقة المالية بين الدولة العراقية والتنظيمات المسلحة التي تعمل بعض تشكيلاتها تحت مظلة الحشد الشعبي، وتحتفظ في الوقت نفسه بروابط سياسية أو تنظيمية خارج الحدود، فإذا صحت الرواية الأميركية بشأن مطالبة الحرس الثوري حلفاءه بإعادة الأموال، فإن ذلك يعني أن الأزمة الإيرانية بدأت تنعكس مباشرة على شبكة النفوذ الإقليمي التي ساهمت طهران في بنائها طوال سنوات، أما إذا استمرت الفصائل في الحصول على موارد مستقلة داخل العراق، فإن العقوبات ستضع هذه الموارد تحت تدقيق أكبر، خصوصاً ما يتعلق بالمصارف والشركات والعقود والتحويلات الخارجية.
وفي الحالتين، يبرز التحدي الذي تواجهه بغداد في ضمان أن تبقى الأموال المخصصة للمؤسسات الأمنية العراقية خاضعة للقانون والرقابة المالية ولسلطة الدولة، وألا تتحول الموارد العامة أو العقود الحكومية إلى قنوات لتمويل جهات خارجية.