لندن - سدن
يدخل المريض إلى الصيدلية وهو يريد شيئاً يوقف الحمى سريعاً، وقد يظن أن المضاد الحيوي دواء قوي يصلح لأي التهاب، بينما يعرف الطبيب أن كثيراً من أمراض الشتاء تسببها فيروسات لا تتأثر بالمضادات أصلاً.
وبحسب صحيفة (التليغراف) البريطانية، فالمسألة تبدو في ظاهرها قراراً فردياً، هل يأخذ هذا الشخص دواء يحتاج إليه أم لا؟ لكنها في الحقيقة قرار له أثر اجتماعي، لأن استخدام المضادات الحيوية يخلق ضغطاً انتقائياً على البكتيريا، فتنجو السلالات الأكثر مقاومة وتتكاثر، ثم تنتقل هذه المقاومة عبر المرضى والمستشفيات والمجتمعات والحدود، ولهذا فإن الدواء الذي أنقذ ملايين الأرواح منذ القرن العشرين قد يفقد بعض قدرته على الإنقاذ إذا لم نتعامل معه بوصفه مورداً طبياً يحتاج إلى حماية جماعية.
في العام الماضي، أعلنت منظمة الصحة العالمية في تقريرها العالمي للمراقبة لعام 2025 أن نحو واحدة من كل ست إصابات بكتيرية مؤكدة مختبرياً من الأنواع الشائعة التي شملتها البيانات، أظهرت مقاومة للعلاجات بالمضادات الحيوية في عام 2023، وأن المقاومة ارتفعت في أكثر من أربعين في المئة من مجموعات البكتيريا والأدوية التي جرت متابعتها بين 2018 و2023، واستند التقرير إلى بيانات من أكثر من مئة دولة، لكنه حذر أيضاً من تفاوت قدرات المختبرات والإبلاغ، وهي نقطة مهمة لأن البلد الذي يسجل إصابات أقل قد لا يكون أكثر أماناً، بل ربما أقل قدرة على كشف ما يحدث، وهذه الأرقام لا تعني أن مضاداً واحداً أصبح عديم الفائدة في كل مكان، بل تكشف أن قدرة الطب على اختيار علاج موثوق تتعرض لضغط متزايد.
اذن المقاومة ليست ظاهرة جديدة اخترعها الإنسان بالكامل، فالبكتيريا تتطور منذ زمن بعيد، وبعضها يملك آليات طبيعية لمواجهة المواد المضادة، لكن الاستخدام المفرط أو غير المناسب يسرع الانتقاء، سواء حدث في عيادة أو مستشفى أو تربية حيوانات أو بيئة تتسرب إليها بقايا الأدوية، وتستطيع البكتيريا أحياناً تبادل عناصر وراثية تحمل صفات مقاومة، ما يجعل المشكلة أوسع من سلالة واحدة، لهذا لا يكفي أن نقول للناس (لا تفرطوا في الدواء)، إذا كانت أنظمة العلاج نفسها تسمح بالوصف العشوائي، أو إذا كان المريض لا يستطيع الوصول إلى تشخيص مخبري سريع.
في بعض البلدان قد يصف الطبيب مضاداً واسع الطيف لأنه لا يملك اختباراً يحدد البكتيريا، أو لأن المريض لن يستطيع العودة بعد يومين، أو لأن ضغط العمل يجعل التشخيص الدقيق صعباً، وقد يشتري شخص الدواء من دون وصفة بسبب كلفة الزيارة الطبية أو ضعف الرقابة، بينما قد يتوقف آخر عن العلاج الموصوف أو يغير جرعته من تلقاء نفسه، وهذه السلوكيات ليست كلها متشابهة، ولا تعالج كلها بمحاضرة أخلاقية، فهي ترتبط بالتعليم والدخل والتنظيم وتوافر الأدوية والفحوص، والاستجابة الجادة تحتاج إلى نظام يجعل الاختيار الصحيح أسهل من الاختيار الخاطئ.
وتصبح الأزمة أشد خطورة في المستشفيات، فالجراحة والعناية المركزة وعلاج السرطان وزراعة الأعضاء تعتمد بدرجات مختلفة على القدرة على منع العدوى البكتيرية أو علاجها، وإذا أصبحت بعض الإصابات أصعب علاجاً ارتفعت المخاطر حتى في إجراءات طبية كانت روتينية.
كما أن المريض الذي يحتاج إلى مضاد بديل قد يواجه علاجاً أغلى أو أكثر سمية أو أقل توافراً، وهو ما يضاعف عدم المساواة بين الأنظمة الصحية.
وتؤكد بيانات منظمة الصحة العالمية أن مستويات المقاومة المبلغ عنها مرتفعة بصورة خاصة في مناطق من جنوب شرق آسيا وشرق المتوسط، لكن المقارنات تحتاج إلى مراعاة اختلاف جودة البيانات والتشخيص.
وهناك مفارقة علمية واقتصادية في تطوير المضادات الجديدة، فالدواء الجديد يحتاج إلى أبحاث وتجارب مكلفة، لكن الاستخدام الرشيد يقتضي الاحتفاظ به للحالات الضرورية، وعدم بيعه على نطاق واسع منذ البداية، وهو ما يجعل الحوافز التجارية التقليدية أقل ملاءمة من أدوية الأمراض المزمنة، لذلك تناقش دول ومؤسسات نماذج تمويل تكافئ قيمة وجود المضاد الفعال، حتى عندما لا يستخدم كثيراً، إلى جانب دعم البحث في وسائل التشخيص واللقاحات والوقاية، ولا ينبغي أن يتحول التركيز على اكتشاف دواء جديد إلى تجاهل الأدوات القديمة التي تنقذ الأرواح بالفعل، مثل غسل اليدين وتعقيم المعدات ومراقبة العدوى وتوفير المياه النظيفة.
وفي المجتمع، يحتاج النقاش إلى لغة دقيقة، فلا يصح أن يشعر المريض بالذنب لأنه أخذ مضاداً وصفه له طبيب بعد تقييم مناسب، ولا أن يمتنع عن العلاج خوفاً من المقاومة عندما تكون لديه عدوى بكتيرية تحتاج إليه، كما أن الإرشادات الحديثة لا تختزل دائماً في قاعدة واحدة عن مدة العلاج، فاختيار الدواء والجرعة والمدة يعتمد على نوع العدوى وحالة المريض، ويجب اتباع وصفة المختص بدلاً من تعديلها ذاتياً، أما نزلات البرد والإنفلونزا الفيروسية فلا تعالجها المضادات الحيوية، وقد يؤدي استخدامها بلا حاجة إلى آثار جانبية ومقاومة من دون فائدة علاجية.
وإذا نظرنا إلى الموضوع من منظور الصحة الواحدة، سنجد أن الإنسان والحيوان والبيئة ليسوا عوالم منفصلة، فالمياه الملوثة ومخلفات بعض المنشآت وأنماط استخدام المضادات في الزراعة قد تسهم في انتشار المقاومة، ولذلك يحتاج الحل إلى تنسيق بين وزارات الصحة والزراعة والبيئة والجامعات والقطاع الخاص، وهذا مثال واضح على مشكلة لا تستطيع دولة أن تعالجها وحدها، فالمسافر والبضائع والغذاء والكائنات الدقيقة تعبر الحدود، بينما تتفاوت القوانين والقدرات الرقابية، ومن هنا يصبح تبادل البيانات والتعاون البحثي جزءاً من الأمن الصحي الدولي.
أن الازمة لا تعني أن عصر المضادات الحيوية انتهى، لكنها تنبه إلى أن الإنجاز العلمي يحتاج إلى صيانة سياسية واجتماعية، فقد غير اكتشاف المضادات مسار الطب، وأصبح ممكناً علاج إصابات كانت قاتلة، لكن المحافظة على هذه القدرة تتطلب مختبراً جيداً، وصيدلية مسؤولة، وطبيباً يملك الوقت، ومرضى يستطيعون الحصول على الرعاية، فضلاً عن بحوث مستمرة، والوصفة التي تكتب اليوم يجب أن تراعي صحة صاحبها، من دون أن تنسى أن فاعلية الدواء غداً ستكون ملكاً مشتركاً لمن لم يمرضوا بعد.
كما ان على المريض دور مهم، لكنه دور لا يقوم على الخوف، حيث يستطيع أن يسأل طبيبه عن سبب اختيار المضاد، وعن المدة والآثار الجانبية المحتملة، وعن الأعراض التي تستدعي العودة، كما ينبغي أن يتجنب مشاركة دوائه مع شخص آخر أو استخدام بقايا وصفة قديمة.
وفي المقابل، على النظام الصحي أن يقدم إجابات واضحة ومفهومة، لأن عبارة (لا تحتاج إلى مضاد) تصبح أكثر إقناعاً عندما يشرح المختص أن السبب غالباً فيروسي ويقدم إرشادات مناسبة لتخفيف الأعراض ومتى ينبغي طلب المساعدة.
ولا يمكن للوقاية أن تنجح إذا خرج المريض من العيادة شاعراً أن الطبيب لم يسمعه، كذلك تساعد اللقاحات ومياه الشرب الآمنة ومكافحة العدوى على تقليل الإصابات التي قد تحتاج إلى مضادات أصلاً، وهي مكاسب لا تحظى دائماً بالاهتمام الإعلامي نفسه الذي تحظى به الأدوية الجديدة.
وتظل المراقبة المختبرية أداة أساسية، لأن معرفة أنماط المقاومة المحلية تسمح بوصفات أكثر دقة، بدلاً من استخدام أوسع الأدوية في كل حالة خوفاً من المجهول.
أن المستقبل الأفضل للمضادات لا يبدأ من الصيدلية وحدها، بل من نظام صحي يملك المعرفة والثقة والوقت.
أما وسائل الإعلام، فعليها تجنب عنوان من نوع (المضادات لم تعد تعمل) لأنه يثير الذعر ويضلل المرضى، فالمقاومة تختلف باختلاف البكتيريا والدواء والمنطقة، وكثير من العدوى ما زال قابلاً للعلاج بصورة فعالة عندما يختار المضاد المناسب، والخطر الحقيقي هو تقلص الخيارات وازدياد صعوبة بعض الإصابات، ولذلك يجب أن تكون الرسالة دقيقة: لا تتناول المضاد بلا حاجة، ولا تمتنع عنه عندما يصفه المختص لحالة تستدعيه، وهذه الدقة جزء من الوقاية لأنها تحمي الثقة بالطب.