لندن - سدن
حين تتقدم حكومة بتعديل قواعد الانتخابات قبل موعد الاقتراع التالي، فإن السؤال لا يتعلق فقط بسلامة النص القانوني، بل بالجهة التي ستستفيد من طريقة تحويل الأصوات إلى مقاعد.
وقد نجحت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في تمرير إصلاح انتخابي مثير للجدل استعداداً لانتخابات 2027، في خطوة يراها أنصارها محاولة لتقليل هشاشة الائتلافات، بينما يصفها خصومها بأنها وسيلة لترسيخ سيطرة اليمين.
ووفق تقرير نشرته صحيفة (لوموند) الفرنسية، فقد أقر مجلس النواب الإيطالي القانون بأغلبية 227 صوتاً مقابل 164، بعد عبوره مجلس الشيوخ، في وقت تتجه فيه البلاد إلى موسم سياسي شديد الحساسية.
وبحسب (لوموند)، يعيد النظام الجديد التمثيل النسبي، لكنه يمنح مكافأة كبيرة للائتلاف الذي يتجاوز عتبة محددة من الأصوات، إذ يحصل التحالف الذي ينال أكثر من 42 في المئة على عشرات المقاعد الإضافية في مجلسي البرلمان، وتكمن أهمية هذه الصيغة في أنها تجمع بين مظهر التعددية الحزبية وميزة قوية للفائز الأول، بما قد يسمح لائتلاف لا يحظى بأغلبية أصوات الناخبين بأن يملك قدرة برلمانية أوسع بكثير.
ولا يعد منح الفائز مكافأة انتخابية أمراً غير مسبوق في التجربة الإيطالية، لكن حجم المكافأة وشروطها وتوقيت اعتمادها تجعل النقاش حول عدالة المنافسة مشروعاً، خصوصاً عندما تكون الحكومة القائمة هي صاحبة المبادرة.
وتسعى ميلوني إلى معالجة إحدى علل السياسة الإيطالية التاريخية، حيث الحكومات القصيرة العمر والتحالفات التي تتفكك تحت ضغط الخلافات الداخلية، غير أن الاستقرار لا يتحقق بمجرد منح الفائز مقاعد إضافية، فقد يؤدي ذلك إلى تقليص تمثيل تيارات واسعة أو دفع الأحزاب إلى تحالفات انتهازية هدفها عبور العتبة بدلاً من تقديم برنامج مشترك، وإذا أصبح الناخب مقتنعاً بأن قواعد اللعبة صيغت لضمان بقاء السلطة الحالية، فإن الاستقرار الحسابي قد يأتي على حساب الثقة السياسية، ومن هنا فإن مشروعية الإصلاح لا تقاس بعدد الأصوات التي مررته في البرلمان وحده، بل أيضاً بمدى اتساقه مع المبادئ الدستورية وقدرته على الصمود أمام رقابة القضاء.
كما أن حساب المكافأة الانتخابية قد يغير سلوك الناخب نفسه، فبعض الناخبين قد يتجهون إلى الأحزاب الكبرى خشية ضياع أثر أصواتهم، بينما يتمسك آخرون بقوى صغيرة احتجاجاً على هندسة النظام، وهذه الاستجابات لا يمكن حسمها مسبقاً عبر استطلاع واحد، لكنها تؤكد أن تعديل القانون يعيد تشكيل المنافسة قبل يوم الاقتراع، ومن هنا تكتسب استقلالية الهيئة المشرفة على الانتخابات ووضوح احتساب المقاعد أهمية استثنائية.
وقد أشارت (لوموند) إلى اعتراض الحزب الديمقراطي وحركة (خمس نجوم) على القانون، وإلى اتجاه قوى معارضة للطعن فيه أمام المحكمة الدستورية، لكن المعارضة نفسها تواجه معضلة لا تقل أهمية، فهي تختلف حول ملفات أساسية، بينها العلاقة مع أوكرانيا والسياسات الاجتماعية والتحالفات الممكنة، الأمر الذي يجعل بناء جبهة انتخابية موحدة صعباً حتى لو اتفقت على رفض قانون ميلوني.
وتستفيد رئيسة الوزراء من هذا التشتت، لأنها تقود ائتلافاً يمينياً يمتلك هوية سياسية أكثر وضوحاً، وإن كانت داخله خلافات بين المحافظين والقوميين والتيارات الأكثر تشدداً، لذلك فإن أثر القانون سيعتمد على سلوك الأحزاب قبل الانتخابات بقدر ما يعتمد على نصه.
ولا تعني قوة ميلوني الحالية أنها ضمنت تجاوز العتبة التي تمنح المكافأة، فقد أوضح تقرير (لوموند) أن استطلاعات الرأي لا تمنح ائتلافها بالضرورة النسبة المطلوبة، ما قد يدفعها إلى تفاهمات مع قوى تقع على يمينها، وهنا يظهر أثر غير مباشر للإصلاح، فبدلاً من تشجيع الاعتدال قد يمنح الأحزاب الصغيرة المتشددة قدرة أكبر على المساومة، لأنها تصبح ضرورية لعبور نسبة حاسمة.
وفي المقابل، قد يدفع المعارضة إلى تجاوز انقساماتها وتشكيل تحالف انتخابي أوسع، فتتحول المعركة من تنافس برامج إلى سباق بين كتل كبيرة، وهذه نتيجة قد تغير شكل الحياة الحزبية الإيطالية قبل أن تحتسب ورقة اقتراع واحدة.
وتأتي التجربة الإيطالية في سياق أوروبي يشهد صعود أحزاب قومية وشعبوية وتراجع الثقة في المؤسسات التقليدية، وهو ما يمنحها دلالة تتجاوز روما، فالقانون الانتخابي ليس أداة محايدة تماماً، فهو يحدد كيفية ترجمة الإرادة الشعبية، ولذلك يمكن أن يعزز الاستقرار، أو يفاقم الشعور بالإقصاء وفق تصميمه وتطبيقه، وفي الديمقراطيات الناضجة، يظل تغيير القواعد ممكناً، لكنه يحتاج إلى تبرير عام يتجاوز مصلحة الحكومة المؤقتة، وإلى مؤسسات قضائية مستقلة قادرة على مراجعة الانحرافات، وهذا تحديداً ما يجعل معركة المحكمة الدستورية المقبلة جزءاً من الصراع السياسي لا تفصيلاً إجرائياً.
قد تنجح ميلوني في دخول انتخابات 2027 بنظام يمنح الفائز فرصة أوسع للحكم، لكنها لا تستطيع بقرار تشريعي أن تضمن مزاج الناخبين، أو تزيل الانقسامات الاجتماعية التي تغذي المعارضة، وإذا كان الإصلاح سيختبر في صناديق الاقتراع، فإن اختباره الأول يبدأ الآن في مدى اقتناع الإيطاليين بأنه يخدم الدولة لا الائتلاف الحاكم وحده، فالقواعد التي تمنح الاستقرار على الورق قد تتحول إلى مصدر أزمة حين يشعر الخاسرون أن المنافسة لم تبدأ من خط واحد، والسياسة الإيطالية تعرف جيداً أن الأغلبية البرلمانية لا تكفي دائماً لصناعة الشرعية المستقرة.