من الرياض إلى بغداد وواشنطن..
الصحفية البارزة تحذّر من خطة إيرانية لاستخدام الحوثيين والفصائل العراقية في مواجهة أميركا
لندن - سدن
كتب: المحرر السياسي
حين تتحدث الصحفية اللبنانية الأميركية البارزة راغدة درغام عن قرار إيراني باستخدام الحوثيين والفصائل العراقية لتهديد دول الخليج، فإنها لا تقدم قراءة عابرة للتصعيد في اليمن، بل تضع المنطقة أمام احتمال أكثر خطورة، في أن تتحول المملكة العربية السعودية وجاراتها إلى ساحات انتقام إيرانية، إذا قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب توجيه ضربات جديدة إلى طهران.
وتضع درغام في حوارها مع قناة (الحدث) الاحد، التصعيد الحوثي ضد السعودية في سياقه الإقليمي الأوسع، وتذهب إلى أن طهران اتخذت قراراً باستخدام الحوثيين والفصائل العراقية لإبلاغ واشنطن، بأن أي ضربات أميركية واسعة ضد إيران ستقابلها حرب تستهدف دول الخليج، في قراءة تستحق الاهتمام، ليس فقط لما تتمتع به درغام من خبرة طويلة في متابعة دوائر القرار الأميركية والدبلوماسية الدولية، وإنما لأنها تكشف منطقاً مألوفاً في الاستراتيجية الإيرانية، حيث خوض المواجهات على أراضي الآخرين، ومحاولة تجنيب الداخل الإيراني كلفتها المباشرة.
تقدير درغام ان الحوثيون لم يعودوا جماعة مسلحة محصورة في جبال صعدة، وإنما باتوا يمتلكون قدرات صاروخية ومسيرات تتيح لهم تهديد المطارات والمنشآت الحيوية السعودية، وما جرى في مطار الملك خالد بالرياض يوضح أن الخطر لم يعد مقتصراً على الحدود اليمنية، بل أصبح يمس المدنيين وحركة الطيران والاقتصاد.
ولا تحتاج إيران إلى احتلال عاصمة خليجية لتحقيق أهدافها، يكفي أن تتمكن الجماعات المتحالفة معها من تعطيل منشآت استراتيجية، وإرباك الأسواق، ورفع تكلفة المواجهة على حلفاء واشنطن، وهذا هو جوهر الردع غير المباشر الذي تتحدث عنه درغام.
أما العراق، فهو الحلقة الأكثر حساسية في هذه المعادلة، فتحريك الفصائل المسلحة بالتزامن مع الحوثيين قد يحول الأراضي العراقية إلى جبهة إضافية في مواجهة أميركية إيرانية، ويضع بغداد أمام تداعيات أمنية واقتصادية ودبلوماسية لم تخترها مؤسسات الدولة، وإذا كانت هذه الفصائل مستعدة للمشاركة في حرب دفاعاً عن طهران، فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجهها هو: بأي حق يعرض العراق لمخاطر مواجهة لا تتعلق بالدفاع عن أراضيه أو مصالح شعبه؟
وتلفت درغام إلى حسابات دونالد ترامب الانتخابية، معتبرة أن الخشية من خسارة الجمهوريين السيطرة على الكونغرس تدفعه إلى التريث في اتخاذ قرار عسكري واسع، وهو تفسير سياسي له وجاهته، وإن لم يكن العامل الوحيد في الحسابات الأميركية، فالبيت الأبيض يدرك أن أي ضربة لإيران قد تستدعي رداً متعدد الجبهات، وأن استهداف القوات الأميركية يمكن أن يغير توقيت المواجهة وحجمها بصورة يصعب ضبطها.
وفي هذا السياق، يصبح الوقت نفسه أداة ضغط، فكلما تأخر الحسم الأميركي، اتسعت أمام طهران فرصة تعزيز التهديدات، وإقناع خصومها بأن تكلفة مهاجمتها لن تتحملها إيران وحدها، غير أن هذه المراهنة تحمل مخاطر على طهران أيضاً، إذ قد يؤدي التصعيد المفرط إلى استدراج رد أميركي أوسع مما تتوقع.
ولا تغفل درغام الدور الصيني، مطالبة بكين بالتخلي عن الصمت حيال التصعيد، فالصين التي رعت المصالحة السعودية الإيرانية عام 2023، وتربطها بطهران مصالح اقتصادية واسعة، تمتلك أدوات دبلوماسية يمكن استخدامها للضغط باتجاه التهدئة، وصحيح أنها ليست ضامناً عسكرياً لأمن الخليج، لكن نجاح وساطتها السابقة يضع مصداقية دورها الإقليمي أمام اختبار جديد.
وتصل درغام إلى النقطة الأهم، وهي ان المملكة العربية السعودية لم تعد تستطيع التعويل على الاحتواء وحده في مواجهة تهديدات تستهدف أمنها الداخلي ومنشآتها المدنية، فسياسة خفض التوتر التي انتهجتها الرياض لم تمنع تجدد الهجمات الحوثية، وهو ما يعيد إلى الواجهة أهمية تفعيل التحالفات، وتعزيز الردع والدفاعات الجوية، وتطوير التعاون الاستخباراتي، إلى جانب دعم قيام دولة يمنية قادرة على ضبط السلاح وقرار الحرب والسلم.
وتقدم راغدة درغام، في المحصلة، تحذيراً استراتيجياً يتجاوز الهجمات الأخيرة، فإيران، وفق قراءتها، لا تستعد بالضرورة لخوض حرب تقليدية مباشرة مع الولايات المتحدة، بقدر ما تسعى إلى جعل أي قرار أميركي بمهاجمتها مكلفاً لحلفاء واشنطن العرب.
والأخطر في هذا السيناريو أن الحوثيين والفصائل العراقية قد يتحولون إلى أدوات لتوسيع الحرب، بينما تحاول طهران الاحتفاظ بمسافة من نتائجها.
وهنا تكمن قوة تحذير درغام، في ان إيران تريد أن تجعل أمن الخليج ثمناً لأي مواجهة معها، وأن تستخدم الأرض العربية ساحةً للرد على واشنطن، أما الاختبار الحقيقي، فهو قدرة السعودية وحلفائها على منع فرض هذه المعادلة، قبل أن تصبح الهجمات على المطارات والمنشآت المدنية وسيلة ابتزاز إقليمي دائمة.