لندن - سدن
حين تتفق باريس وبرلين على تشديد التعامل مع الصين، فإن المسألة تتجاوز خلافاً حول السيارات أو التعريفات الجمركية، فهي تشير إلى تحول في تصور الأوروبيين للعلاقة بين التجارة والقوة السياسية، فقد بنت أوروبا جانباً كبيراً من ازدهارها على الانفتاح الاقتصادي، لكنها تجد نفسها اليوم أمام منافس يمتلك قدرة صناعية هائلة ويستخدم أدوات الدولة لدعم قطاعات استراتيجية، بينما تشكو الشركات الأوروبية من صعوبة المنافسة وتفاوت شروط الدخول إلى الأسواق.
وفي تقرير نشرته (فايننشال تايمز) في 12 أكتوبر بعنوان يفيد بأن أوروبا بدأت أخيراً مواجهة الصين، برز اتجاه فرنسي ألماني يدعو إلى أدوات رد أسرع وأكثر استقلالاً عندما تتعرض المصالح الأوروبية لضغوط تجارية أو لقيود على المواد الحيوية.
وبحسب (فايننشال تايمز)، يتزايد اقتناع دوائر سياسية وصناعية أوروبية بأن الاعتماد المتبادل لم يعد ضمانة كافية لمنع استخدام التجارة أداة ضغط، فحين تعتمد صناعات كاملة على مورد واحد للمواد الأولية أو المكونات، يصبح الخلاف الدبلوماسي قادراً على تعطيل مصانع بعيدة عن ميدان النزاع، ولا يعني ذلك أن بكين تسيطر على كل سلاسل الإمداد أو أن أوروبا عاجزة عن المنافسة، بل إن توزيع المخاطر لم يعد مقبولاً من منظور الأمن الاقتصادي، ولذلك بدأ النقاش يتحول من السؤال التقليدي عن أرخص مورد إلى سؤال آخر، هو أي قطاعات ينبغي أن تحتفظ أوروبا بقدرة إنتاجية أو بدائل موثوقة لها، حتى لو تحملت تكلفة أعلى على المدى القصير؟
وتتضح الصورة في صناعة السيارات، التي كانت لعقود أحد رموز القوة الصناعية الألمانية والأوروبية، فقد نقلت (فايننشال تايمز) في تقرير آخر عشية معرض باريس للسيارات، دعوة الرئيس التنفيذي لمجموعة فولكسفاغن إلى تعاون فرنسي ألماني أوثق لمواجهة المنافسة الصينية، مع تزايد حضور الشركات الصينية في المعرض وفي سوق السيارات الهجينة القابلة للشحن، والمفارقة أن المصانع الأوروبية التي استفادت طويلاً من السوق الصينية باتت تطالب الآن بحماية قدرتها التنافسية داخل القارة، وهو تحول يكشف هشاشة نموذج يقوم على تصدير التكنولوجيا والخبرة ثم يفترض أن الأفضلية الصناعية ستبقى ثابتة، ومع ذلك، فإن الرد الأوروبي لا يستطيع الاكتفاء بحواجز تجارية إذا لم يصحبه تحديث للإنتاج والابتكار والتكاليف.
ويُضاف إلى ذلك أن الاستقلال الصناعي لا يمكن اختزاله في تصنيع المنتج النهائي داخل الحدود الأوروبية، لأن سلسلة الإنتاج تشمل المعادن والبطاريات والمكونات والبرمجيات والموانئ والنقل، وقد تنجح شركة في تجميع سيارة داخل الاتحاد بينما تبقى عناصر حاسمة فيها مستوردة من مورد واحد، لذلك فإن قياس التقدم ينبغي أن يتناول تنوع مصادر الإمداد والقدرة على الصيانة والتطوير، لا عدد المصانع التي ترفع لافتة أوروبية فحسب.
ومن زاوية سياسية، لا تتطابق مصالح الدول الأوروبية في كل تفصيل، فألمانيا ترتبط بصناعات تصديرية كبيرة لها حضور في الصين، بينما تميل فرنسا إلى خطاب أكثر تشديداً بشأن الاستقلال الاستراتيجي وحماية الإنتاج المحلي، كما تختلف دول وسط أوروبا وجنوبها في اعتمادها على الاستثمارات الصينية أو في استعدادها لتحمل كلفة مواجهة تجارية، ولهذا فإن اتفاق باريس وبرلين على التشخيص لا يضمن اتفاق الاتحاد كله على العلاج، وأي سياسة مشتركة تحتاج إلى قواعد شفافة تمنع تحويل شعار (صنع في أوروبا) إلى منافسة داخلية بين الدول الأعضاء، أو إلى دعم حكومي يفيد الشركات الأكبر وحدها على حساب المشروعات الأصغر.
ولا يمكن فصل هذا النقاش عن العلاقة مع الولايات المتحدة، فواشنطن تدفع حلفاءها إلى تقليل اعتمادهم على الصين، لكنها تتبنى في الوقت نفسه سياسات تجارية قد تضر بالمصانع الأوروبية، ما يجعل الاستجابة الأوروبية معقدة، حيث تقارب استراتيجي مع الأميركيين في بعض الملفات، وتنافس اقتصادي معهم في ملفات أخرى.
ولفت تحليل (فايننشال تايمز) إلى إمكان بناء تعاون غربي في الصناعات الحساسة، ومنها بناء السفن، غير أن هذا التعاون سيكون أكثر استقراراً إذا قام على مصالح متبادلة لا على طلب اصطفاف سياسي كامل، فالاتحاد الأوروبي لا يريد استبدال تبعية صناعية للصين بتبعية مماثلة للولايات المتحدة، بل توسيع هامش قراره في عالم تتراجع فيه الثقة بالقواعد التجارية القديمة.
أما الصين، فلديها أسبابها لرفض السياسات الأوروبية الجديدة، إذ يمكن أن تراها تمييزاً ضد صادراتها ومحاولة لاحتواء صعودها الصناعي، ومن هنا يجب أن يميز الأوروبيون بين إجراءات مبررة لحماية الأمن الاقتصادي وبين حمائية عامة تعاقب المستهلكين وتستفز شركاء التجارة من دون تحقيق فائدة استراتيجية، كما أن التعاون مع بكين في المناخ والبحث والتجارة سيظل ضرورياً، لأن القطيعة الشاملة ليست واقعية بالنسبة إلى اقتصادين بهذا الحجم، والهدف العملي هو تقليل نقاط الضعف الأكثر خطورة، لا إغلاق أبواب التبادل الذي يستفيد منه الطرفان.
ان المواجهة الأوروبية - الصينية الجديدة، تكشف عن انتقال الاتحاد من الاعتقاد بأن السوق تصنع السياسة تلقائياً إلى إدراك أن السياسة تحدد أحياناً من يملك السوق نفسها، وقد ينجح الأوروبيون في بناء قدرة تفاوضية أكبر إذا جمعوا بين تنسيق باريس وبرلين، وتوزيع عادل للتكاليف داخل الاتحاد، واستثمار جاد في الصناعة، أما الاكتفاء بخطاب الغضب من المنافسة الصينية فلن يغير موازين القوة، ففي عالم تتداخل فيه المصانع بالموانئ والمواد الخام بالأمن القومي، لم تعد التجارة ملفاً منفصلاً عن السيادة، وأوروبا بدأت تتعامل مع هذه الحقيقة متأخرة لكنها لم تفقد فرصة التصحيح.